أحمد بن محمد ابن عربشاه
451
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وحمت ، وقعدت وقمت ، ثم أسفر رأيك السديد وفكرك الرشيد وأمرك السعيد ، عن أن تجرنا بسلاسل الحديد إلى العذاب الشديد ، وتخلدنا فيه الدهر المديد ، لا والله بل تريد أن نمشى بأرجلنا إلى الشبكة ، ونلقى بأيدينا أنفسنا إلى التهلكة ، وقد أشبهت في هذه الحركة مالكا الحزين والسمكة ، فقال النجدي لابنة السعدي : أريحى وغنى ، شكوى الجريح إلى العقبان والرخم ، فقالت له : أزل الغصة بقص هذه القصة . [ 78 ] [ مالك الحزين والسمكة : ] فقال : كان في بعض المروج من قرى سروج ، نهر كثير الحيتان شديد الجريان ، وفي مكان منه مصون مأوى لمالك الحزين البلشون ، فكان يتصرف في السمك تصرف المالك فيما ملك ، قضى في ذلك عمره ، وزجى أوقاته في طيب عيش ومسرة ، إلى أن أدركه المشيب ورحل عنه العمر القشيب « 1 » ، وكساه خياط الدهر دلق « 2 » وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [ يس : 68 ] ورأى من الكبر أصناف العبر إلى أن ضعفت قوته عن الاصطياد ، وجرى عليه من الآلام والأنكاد ، ومن نوائب الدهر ما الزمان به معتاد ، فصار يمر عليه برهة من الأوقات ، وهو عاجز عن تحصيل الأقوات . فتوجه في بعض الأحيان ، وقد علته كآبة الأحزان ، ووقف على النهر متفكرا في تصرفات الدهر ، فمرت به سمكة لطيفة الحركة ، فرأته في ذل الانكسار ، سابحا في بحر الافتكار ، لا قدرة له ولا حركة ، ولا نهضة لاختطاف السمكة ، فلم يلتفت إليها ولا عوّل عليها ، وقد أوطأته الحوادث أقدام الهموم الكوارث ، وبدل ربيع شبابه بخريف الهرم ، وحرارة حربه ببرودة السّلم ، فوقفت لديه وسلمت عليه وسألته عن موجب تفكره ، وسبب تحزنه وتحيره .
--> ( 1 ) السعيد الجميل . ( 2 ) أي مرور عمره بسرعة .